أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
فلك وعلم الكونيات

حلُّ أقدم مشكلات الجاذبية

لطالما مَثَّلت ‘مشكلة الأجسام الثلاثة’ عقدة لعلماء الفيزياء الفلكية

البروفيسور كريس لينتوت
عالم فيزياء فلكية يشارك في تقديم برنامج Sky at Night

حتى الأشياء البسيطة قد تكون معقدة أحياناً. وقد عرف الفيزيائيون هذا لقرون، مندفعين في بحث محموم بفعل التعقيدات التي تكمن حتى في مشكلات بسيطة من مسائل ميكانيكا الأجرام السماوية. عرف اسحق نيوتن أنه إذا كان لدينا نظام مُكوِّن من جسمين كوكب – كوكب واحد يدور حول نجم مثلا- يمكنك حينها، بمعرفة بسيطة لكيفية عمل قوة الجاذبية، أن تحسب كيف سيتحرك كلا الجسمين. ولكن أضف جسماً ثالثاً لهما، مثل قمر، وستتلاشى إمكانية التنبؤ تلك. وتبدأ الأمور على ما يرام، ولكن حتى تغيير ضئيل في المواقع الابتدائية لأي من الأجسام الثلاثة سرعان ما سينتج تنبؤات شديدة الاختلاف لما ستكون عليه حالة تلك الأجسام مستقبلاً. ومع تعذر معرفتنا بالمواقع الابتدائية للأجسام الثلاثة بدقة متناهية، فإن هذا السلوك الفوضوي يعني أن حالة النظام في المستقبل البعيد (وفي الماضي البعيد أيضاً) ستخفى علينا ولا يمكن حسابها.

ليست بتلك البساطة التي تبدو عليها

‘مشكلة الأجسام الثلاثة’ -كما صارت تعرف- هي مشكلة مُزعجة. ففي كتب الفيزياء الدراسية والامتحانات الجامعية، يمكنك أن تجد نظاماً معزولاً تماماً يتكون فقط من نجم وكوكب يدور حوله. ولكن الكون الحقيقي ليس بهذه البساطة. ففي مناطق تَكوُّن النجوم، ومناطق العناقيد النجمية والمجرات، ومناطق نشوء الكواكب، ومناطق تفاعل الثقوب السوداء ببعضها، فإن حركات الأجسام تتأثر بمنظومات ثلاثية العناصر في الغالب أكثر تأثرها بمنظومات أقل عددا.

ولحسن الحظ، وعلى الرغم من أنه لا يمكن حل مشكلة الأجسام الثلاثة تحليليّاً (حيث تفضي مجموعة من المعادلات إلى إجابة محددة مفردة)، إلا أنه يمكن إحراز بعض التقدم. إذ تُلقي ورقة بحثية جديدة لعالمين فلكيين إضاءة جديدة على هذه المشكلة القديمة، متخذين مقاربة إحصائية لما قد يحدث. وتنتج المنظومات التي درساها عندما يقترب نجم ثالث من نظام نجمي ثنائي يمكن التنبؤ بحركاته المستقبلية، وهذا المثال من الأمور التي يجب أن تحدث طوال الوقت في عناقيد نجمية وليدة. فمعظم الوقت تُظهر النمذجات Models أن النظام الثلاثي الناتج سيتصرف كنظام ثنائي مع تفاعل ضعيف فقط مع نجم ثالث بعيد عن الجسمين في المركز، ولكن مع دوران ذلك النجم الدخيل حولها تكون هناك فترة من تداخلات حركية مجنونة.

وتنتهي هذه الفترة عندما يبتعد أحد هذه النجوم خارجاً إلى مسافة يكون عندها مجرد نجم ثالث، وهي عملية تتكرر وتتكرر إلى أن يبتعد نجم منها بصورة نهائية. وهذه الحسابات ليس تنبؤات تحليلية Analytical predictions لما يمكن أن يحدث، إنها فقط صورة لما تتوقعه برنامج حاسوب Computer Program في أي ظرف مُعطىً. والجيد في الأمر هو أن تكرار العديد من تجارب المحاكاة Simulations هذه يُمكِّن الفريقَ من تقديم تنبؤات لما يُحتَمل حدوثه.

سيقدم ذلك مساعدة كبيرة لعلماء الفلك في جميع المجالات، ولكن هناك مجموعة معينة منهم تبحث عن كثب لفهم آلية اصطدامات الثقوب السوداء التي تنتج موجات الثقالة Gravitational waves المرصودة في مراكز مثل مرصد موجات الثقالة التداخلي الليزري Laser interferometer gravitational-wave observatory (اختصاراً: المرصد لايغو LIGO). إذ كان من الصعب فهم كيف ولماذا تتشكل مثل هذه الثقوب السوداء وتتصادم، ولكن إذا كانت التفاعلات مع جسم ثالث تدفع ثقوباً سوداء للاندماج ببعضها في النهاية، إذاً ربما يقبع حل واحدة من أقدم المشكلات العلمية في هذه الحلول الإحصائية البارعة.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى