أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
فضاء

الـمــنــاظـــرة الكبرى

قبل قرن من الزمان، التقى عالما فلك بارزان في مناظرة حول حجم الكون. هنا يبحث غوفرت شيلينغ في الأهمية التاريخية لهذا النقاش

غوفرت شيلينغ Govert Schilling:
صحافي ومذيع برامج عن علم الفلك، ومؤلف كتاب تموجات في الزمكان Ripples in Spacetime.
لا بد أن هارلو شيبلي Harlow Shapley -زميل الأبحاث Research fellow في مرصد ماونت ويلسن، وهو ذلك الصحافي البالغ من العمر 34 عاماً الذي تحول إلى عالم فلك- كان متوتراً عندما صعد إلى منصة مسرح قاعة بيرد في متحف سميثسونيان للتاريخ الطبيعي Smithsonian Museum of Natural History بواشنطن العاصمة؛ ليواجه حشداً من زملائه العلماء والجمهور. وسيصعد بعده على خشبة المسرح خصمه في المناظرة، عالم الفلك البارز هيبر كيرتس Heber Curtis رجل يكبره بـ 13 عاماً وأكثر خبرة وبلاغة في الحديث، والذي اختلف مع شيبلي في كل شيء تقريباً. فقد اجتمع العالمان هناك لمناقشة حجم الكون، وما إذا كانت “السدم الحلزونية” Spiral nebulae (التي نعرفها الآن بالمجرات الحلزونية Spiral galaxies) صغيرة وقريبة، أو ضخمة وبعيدة. وفي تمام الساعة 8:15 من مساء الاثنين 26 أبريل 1920، بدأت “المناظرة الكبرى” التاريخية.
بعد مرور عام على الحدث، عرض شيبلي وكيرتس وجهات نظرهما المتضاربة في نشرة المجلس القومي للأبحاث National Research Council. بمعنى ما، نُشرت المناظرة الكبرى لأول مرة في شهر مايو 1921، قبل قرن من الزمان. ولكنه لا يعرف الكثير أن المقالين كانتا نسختين أشمل بكثير من العروض التقديمية الأصلية. كما لم يكن معروفاً، إلى حد كبير، أن النقاش تركز بشكل أساسي على أبعاد مجرتنا درب التبانة. ولم يعتقد أي من الفلكيين أن السدم الحلزونية كانت موجودة في مجرة درب التبانة، وأن كليهما أصاب في بعض حديثه وأخطأ في بعضه. ولذلك، فقد حان الوقت لوضع الأمور في نصابها.
قبل قرن من الزمان، لم يكن يُعرف الكثير عن كوننا. لم يكن التوسع الكوني Cosmic expansion قد عرف بعد على الرغم من قياس سرعة الابتعاد المذهلة لبعض السدم الحلزونية. لم يكن هناك حديث عن الانفجار الكبير Big bang. وكانت نظرية الجاذبية الجديدة لآلبرت أينشتاين قد تأكدت للتو فقط باكتشاف انحناء ضوء النجوم بفعل الشمس أثناء كسوف كلي للشمس في شهر مايو 1919 لكن كيرتس (وهو شغوف بملاحقة حوادث الكسوف) كان لا يزال لايعتقد بنظرية النسبية العامة. وإضافة إلى ذلك، لم يكن أحد يعرف حجم وبنية مجرتنا درب التبانة. فقد كانت تلك الأيام الأولى لعلم الكوزمولوجيا Cosmology.
التصادم وجهاً لوجه
في عام 1920 كان هيبر كيرتس الذي صار مديراً لمرصد أليغيني Allegheny Observatory في بيتسبرغ، بنسلفانيا، مقتنعاً بأن مجرة درب التبانة تمتد لمسافة 30 ألف سنة ضوئية تقريباً، وأن الشمس توجد بالقرب من مركزها. وقد دافع عن هذا الرأي أيضاً زميله الهولندي الشهير جاكوبوس كابتين Jacobus Kapteyn، بناء على إحصاء مدقق لعدد النجوم. وسيراً على خطى الفيلسوف الألماني من القرن الثامن عشر إيمانويل كانت Immanuel Kant، فقد اعتقد كيرتس أن العديد من السدم كانت عبارة عن “أكوان جزيرية” Island universes مجموعات بعيدة جداً من بلايين النجوم، يمكن مقارنتها بمجرتنا الأم.
في المقابل، جادل شيبلي في أن أرصاد عناقيد النجوم الكروية Globular star clusters تشير إلى قطر أكبر بكثير لمجرة درب التبانة يبلغ 300,000 سنة ضوئية، مع وجود الشمس على طرفها تقريبا. وإذا كان الأمر كذلك، كما قال لجمهوره في واشنطن، “فبالكاد يمكن مقارنة السدم الحلزونية بالمنظومات المجرية”: نظراً لأحجامها الصغيرة الظاهرة في السماء، فإنها يجب أن تكون بعيدة جداً، بما يتعارض مع عدد من الأرصاد المتاحة في ذلك الوقت. بعد ذلك، مرة أخرى، كان شيبلي حذراً بدرجة كافية ليقول: “نظراً للنشاط المتزايد في مجال السديم، (…) فمن غير الحكمة مهنياً وعلمياً اتخاذ أي وجهة نظر إيجابية قوية بشأن هذه المسألة الآن”.
كان الجمع بين الفلكيين معاً في مناظرة عامة هي فكرة جورج إليري هيل George Ellery Hale، مؤسس ومدير مرصد جبل ماونت ويلسن Mount Wilson Observatory. تحدث هيل مع تشارلز أبوت Charles Abbot، أمين الشؤون الداخلية في الأكاديمية الوطنية للعلوم National Academy of Sciences، لتنظيم حدث عام 1920. وحصل كلا المتحدثين على 40 دقيقة على التوالي لعرض وجهتي نظرهما، وبعد ذلك كان هناك وقت لبعض المناقشة، أدارها عالم فلك برينستن هنري نوريس راسل Henry Norris Russell. وفقط في ورقتيهما المنشورتين في عام 1921، رد شيبلي وكيرتس فعليا على حجج بعضهما البعض.
لقد قدم شيبلي تقريراً يخاطب مستوى الجمهور العام ويتناول قياسات المسافات في الكون، وأمضى الكثير من الوقت في التحدث عن أرصاد العناقيد الكروية Globular clusters، مثل العنقود الكروي الكبير M13، في كوكبة الجاثي Hercules. وباستخدام النجوم المتغيّرة Cepheid variable stars التي لها لمعان Luminosities متقلب مرتبط بسطوعها Brightness، وهو ما يسمح لعلماء الفلك باستخدامها لقياس المسافات استنتج أن العناقيد كانت على بعد 200 ألف سنة ضوئية.
ونظراً لتوزعها في السماء، فقد افترض شيبلي أنها تنتمي بالتأكيد إلى مجرة درب التبانة، وأنه “يبدو أن هناك سبباً وجيهاً للاعتقاد أن المناطق الآهلة بالنجوم في النظام المجري تبعد على الأقل بقدر ما تبعده العناقيد الكروية”.
نظريات لولبية
ولكن إذا كانت السدم الحلزونية عبارة عن مجموعات ضخمة من النجوم يمكن مقارنتها بمجرتنا درب التبانة، فيجب أن تكون على بعد عشرات الملايين من السنين الضوئية، والعديد من “النجوم الجديدة” New stars النوفا (المستعرات) Novae في هذه السدم بما في ذلك النجم اللافت للنظر في “سديم المرأة المسلسلة” Andromeda (المجرة) المرصود في عام 1885 سيكون أكثر سطوعاً من نوفا المجرات العادية. وإضافة إلى ذلك، فإن زميل وصديق شيبلي المقرب في مرصد ماونت ويلسن، آدريان فان مانن Adriaan van Maanen – المولود في هولندا والذي انتقل إلى الولايات المتحدة في عام 1911- قاس حركات الدوران Rotational motions في ثلاثة سدم حلزونية على الأقل، هي: M33 وM81 وM101. وإذا كانت هذه السدم ضخمة وبعيدة حقاً، لكان عليها أن تدور أسرع بكثير من سرعة الضوء كي نتمكن من تمييز هذه الحركات أصلاً.
ولكن على عكس ما ستقرأه في معظم روايات المناظرة الكبرى، لم يعتقد شيبلي أن السدم الحلزونية موجودة داخل مجرتنا درب التبانة. قريبة نسبياً، نعم، ولكن، كما قال: “ليست أعضاء في نظام مجرتنا… أُفضّل أن أصدق أنها لا تتألف من نجوم على الإطلاق، وأنها في الحقيقة أجسام سديمية وغامضة”. وبذا، ستكون النوفات المرصودة عبارة عن انفجارات نجمية استحوذت السدم عليها وابتلعتها. وسيكون سبب السرعات الانحسارية Recession velocities العالية هو بعض القوة الطاردة الغامضة Repulsive force التي تُلقي بها مجرة درب التبانة.
آراء متباينة
كيرتس الذي استخدم شرائح تقديمية Slides طبعت على الآلة الكاتبة لدعم حديثه الأكثر تقنياً، لم يأخذ بحجج شيبلي عن العناقيد الكروية، وتمسك بالاعتقاد السائد منذ عقود أن مجرة درب التبانة صغيرة الحجم نسبياً، وهي إلى حد ما تتمحور حول الشمس. وإذا كان “سديم المرأة المسلسلة” هو مجرة من ذات الحجم، فسيكون على بعد 500,000 سنة ضوئية وهذا ليس ما لا يمكن تصوره، على الرغم من أن كيرتس أدرك أن أخفت المجرات يجب أن يبعد مسافة تعادل مئة مليون سنة ضوئية.
وفي ورقته البحثية التي أجريت في عام 1921، اعترض كيرتس على فكرة أن التنافر المجري Galactic repulsion هو المسؤول عن سرعات التباعد العالية (كَتَبَ: “لا نعلم بوجود قوة كافية لإنتاج مثل هذا التنافر”). أما مسألة سطوع الانفجارات النجمية في السدم الحلزونية والتي مثلت المشكلة الأقل بالنسبة إليه، إذ كان يعتقد أن المجرات أصغر بعشر مرات من حجم الـ 300,000 سنة ضوئية الذي قدّره شيبلي، ومن ثم فهي أقرب إلينا كتب كيرتس قائلا بوضوح: “الانقسام إلى صنفين من الحجم ليس بالأمر المستحيل”. في الواقع، نحن نعلم الآن أن معظمها عبارة عن سوبرنوفا، وهي أكثر سطوعاً بعشرة آلاف مرة في المتوسط من النوفا العادية.
ولكن ماذا عن الحركات الدورانية للسدم الحلزونية التي قاسها فان مانن؟ حسناً، اعتقد كيرتس أنها خاطئة. وكتب: “أعتقد أن التوصل إلى تحديد جدير بالثقة للحركة الدورانية هو أمر مستحيل بالطرق الحالية دون فاصل زمني أطول بكثير مما هو متاح حالياً”، كما كتب، مشيراً إلى أنه إذا تم تأكيد أرصاد فان مانن “فسيبدو لنا في ربع القرن المقبل […]، أنه يجب حتماً التخلي عن نظرية الجزر الكونية Island universe theory”. لا أحد يعرف الخطأ الذي ترتكبه فان مانن لقد كان مراقباً شديد الدقة لكننا نعلم الآن أنه لم يتمكن قطُّ من اكتشاف الحركات الحقيقة Real proper motions في المجرات الخارجية.
أوضح كيرتس أيضاً سبب وجود السدم الحلزونية فقط في خطوط العرض العالية للمجرة بعيداً عن ذراع مجرة درب التبانة في السماء. وجادل قائلاً: “العديد من المجرات اللولبية الأطراف تعرض حلقات محيطية من مادة حاجبة Occulting matter”. إذا كان لمجرتنا -التي هي نفسها عبارة عن مجرة حلزونية في نظرية الجزر الكونية- مثل هذه الحلقة المحيطية من المادة الحاجبة، فإن هذا سيطمس السدم الحلزونية البعيدة في مستوى مجرتنا، وسيفسر التوزع الظاهري الغريب للسدم اللولبية”. وهذا صحيح تماماً، كما نعلم الآن. ومن المفارقات أن كيرتس لم يدرك أن “المادة الحاجبة” في مجرتنا هي أيضاً السبب وراء انطباعنا بأننا نعيش بالقرب من مركز مجموعة صغيرة نسبياً من النجوم وشبيهة بالقرص شكلاً.
وحالياً، يدرك علماء الفلك أن حجم مجرة درب التبانة كما تصورها شيبلي هو أكبر بأكثر من مرتين ونصف، في حين أن نموذج كيرتس عنها كان أصغر منها بنحو أربعة أضعاف، وأن مجرة المرأة المسلسلة تقع على بعد 2.5 مليون سنة ضوئية؛ ولكن في حين افترض كيرتس بنحو صحيح أن السدم الحلزونية كانت مجرات مفردة، كان شيبلي محقاً بشأن التوزع الكبير ثلاثي الأبعاد Three-dimensional distribution للعناقيد الكروية والموقع البعيدة لشمسنا عن مركز مجرة درب التبانة. وكما ذكرت مؤرخة علم الفلك فيرجينا تريمبل Virgina Trimble ذات مرة: “أدرك كل من شيبلي وكيرتس بضعة أجزاء صحيحة من الفيل”. ومن المثير للاهتمام أيضاً أن شيبلي لم يستبعد تماماً وجود مجرات خارجية External galaxies. فقد كتب في بحثه في شهر مايو 1921: “حتى لو أخفقت السدم اللولبية كأنظمة مجرية، فقد يكون هناك أنظمة نجمية في مكان آخر في الفضاء تعادل أو تفوق منظومتنا لم نتعرف عليها حتى الآن، وربما تقع خارج مدى قدرة الأجهزة البصرية الحالية ونظم القياس المحددة مسبقاً”.

بعد أقل من ثلاث سنوات، حُسمت القضية وأصبحت مناظرة شيبلي كيرتس العظمى منسية تقريباً لم يُذكر حتى في نعي كيرتس الذي كُتب بعد وفاته في عام 1942. فقط في عام 1960 وصفها مدير المرصد الفلكي الراديوي الوطني، أوتو ستروف Otto Struve بأنها “مناظرة تاريخية”، وبعد ذلك نال هذا الحدث تغطية أكثر من أي وقت مضى في كتب تاريخ علم الفلك. وبعد مرور مئة عام كاملة على الورقات البحثية التاريخية، صارت المناظرة الكبرى الآن أثراً جميلاً يذكرنا بالنمو الهائل لمعرفتنا خلال القرن الماضي، وشهادة على قيمة الحجة العلمية.

 

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى