أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
فضاء

أين ذهب كلُّ ذلك الغبار الكوني؟

تضخ النجوم الغبار في الكون، فقط لكي يختفي عن الأنظار مع مرور الزمن

البروفيسور كريس لينتوت: عالم فيزياء فلكية يشارك بتقديم برنامج سماء الليل Sky at Night

يوجد الغبار في كل مكان في الكون، وهو يؤدي دوراً مهماً في تكوين النجوم، مما يسمح بانخفاض درجة حرارة المادة الموجودة في الحواضن النجمية مثل سديم الجبّار Orion Nebula إلى درجة كافية يكون من المحتمل عندها حدوث انهيار بفعل الجاذبية. وفور حدوثه، ستتشكل المادة الخام للكواكب. وعلى نطاق أوسع، لا يمكن لأي محاولة لرصد أو فهم مجرة بعيدة أو حتى مجرتنا درب التبانة أن تخفق في حسبان تأثير الغبار على ما نراه. فقد تكون حبة غبار واحدة صغيرة الحجم، لا تزيد على عُشر حجم حبة الرمل، لكن تأثير الغبار ككل هو شيء هائل.
نتيجة لذلك، انصب الكثير من الاهتمام على كيفية تشكل هذا الغبار الكوني، إذ يحتمل أن تكون الأغلفة الجوية للنجوم الباردة العملاقة هي المسؤولة عن معظمه. ويبدو أن الخفوت الدراماتيكي لنجم منكب الجوزاء Betelgeuse في كوكبة الجبّار Orion، منذ أكثر من عام، على سبيل المثال، قد نتج بسبب انبعاث غبار جديد في الغلاف الجوي الخارجي الرقيق للنجم. ومع ذلك، فقد أبدى العلماء قليلاً من الاهتمام بالطرف الآخر من دورة حياة الغبار الكوني. وهذا هو بالضبط ما يبيّنه بحث هذا الشهر، إذ يستكشف كيفية زوال هذا الغبار.
إنها مشكلة مهمة لأننا نعلم، من خلال النظر إلى محتوى الغبار في المجرات، أن كمية الغبار في الكون قد انخفضت منذ ثمانية بلايين سنة على الأقل، أو نحو ذلك. وهذا مثير للدهشة إذ إن كمية مادة الغبار الخام، على شكل كربون وسيليكون وعناصر ثقيلة أخرى يسميها علماء الفلك “معادن” Metals، آخذة بالازدياد، ويستمر إنتاجها على قدم وساق. لذا، فإن شيئاً ما لم يؤخذ بالحسبان في معظم النماذج لا بد أنه يُفني الغبار.

على طريق الغبار
يعتقد العالمان أندريا فيرارا Andrea Ferrara من مدينة بيزا Pisa وسيلين بيروكس Céline Péroux من المرصد الأوروبي الجنوبي (ESO) في غارشنغ Garching أن لديهما الإجابة أو بالأحرى، الإجابات. في نظريتهما، يُفني لنحو %40 من الغبار بفعل انفجارات السوبرنوفا Supernovae. فمن المنطقي أن الانفجارات القوية التي ترسل موجات صدمية Shock waves عبر الكوزموس Cosmos قد تدمر حبيبات الغبار الدقيقة في جوار السوبرنوفا. ولكن الأمر المثير للإعجاب في فكرة فيرارا وبيروكس تكمن في أن نتائج فرضيتهما تؤدي إلى خسارة كبيرة في الغبار بنحو عام، مع ملاحظة أن كل سوبرنوفا قد يكون أقل كفاءة في هذا مما كان متوقعاً. المشكلة هي أن النجوم الضخمة التي تستمر بإنتاج السوبرنوفا تميل إلى أن تكون لها رياح نجمية قوية، وهذه الرياح يمكن أن تشكّل “فقاعة” Bubble من المادة حولها. ويشكل الغبار المحشور في مثل هذه الفقاعة حاجزاً كثيفاً، ومن ثم فهو محمي إلى حد ما من الموجات الصدمية الناتجة من السوبرنوفا. ونتيجة لذلك، يدمر انفجار السوبرنوفا في المتوسط ما يعادل نصف كتلة شمسية من الغبار نحو سدس ما تقترحه النماذج الأقل تفصيلاً. وبملاحظة معدلات حدوث انفجارات السوبرنوفا خلال الفترة المدروسة، فهذا كافٍ لتفسير نسبة %40 من الغبار المفقود الذي نرصده.
حسناً، وماذا يحدث للكمية المتبقية؟ الجواب متجذر في حقيقة أن تشكل النجوم يحتاج إلى مادة الغبار. ويمكن لغيوم الغبار أن تبرد، وتنهار بفعل جاذبيتها. والغبار ليس استثناء من هذه العملية، إذ يسخن ويندمج في بنية النجم وهي عملية المعروفة بالمصطلح الرائع “بناء نجم” Astration. فهذه العملية فعالة بما يكفي لحساب معظم كمية الغبار المفقودة عبر البلايين القليلة الماضية من السنين، وهي تشرح لماذا يبدو أن كوننا Universe يجري تنظيفا ربيعيا طويلا وبطيئا.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى