أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
فضاءفلك وعلم الكونيات

حياة ميكروبية على كوكب الزهرة أي فرصة ممكنة لذلك؟

أثار اكتشاف الفوسفين في الغلاف الجوي لكوكب الزهرة احتمال كونه من نتاج أنواع حية تعيش في ذلك الكوكب الجحيمي. في هذه المقالة ينظر مارك غارليك في الأدلة.

د. مارك أيه. غارليك Mark A Garlick:
عالم فلك محترف سابق، وهو الآن كاتب حر، ومصور رسوم فنية عن مواضيع الفضاء

من الممكن الجدل في أنه الجرم الأرضي الأكثر قسوة بين كواكب المجموعة الشمسية. فحرارة سطحه تبلغ نحو 460°س، وهي تكفي لصهر معادن القصدير والزنك والرصاص. ويبلغ ضغط الغلاف الجوي عند السطح 93 بار ما يعادل الضغط على عمق 900 متر تحت الماء على كوكب الأرض؛ في حين أن غلافه الجوي ممتلئ بغاز ثاني أكسيد الكربون وسحب تقطر حمض الكبريتيك. وتتصرف سماؤه كغلاف سائل أكثر من كونها غازاً، وهي كثيفة لدرجة أن رياحه يمكنها تحريك الصخور الصغيرة بسهولة. مرحباً بكم في كوكب الجحيم المعروف بالزهرة.
وعلى الرغم من هذه البيئة الأكثر قسوة، فقد تكهن العلماء منذ فترة طويلة بظروف الحياة على كوكب الزهرة، الآن أو في ماضيه، وكان من بينهم كارل ساغان Carl Sagan، وعالم الفيزياء البيولوجية هارولد موروفيتز Harold Morowitz. وفي شهر سبتمبر من هذا العام أعيد إحياء النقاش بعد اكتشاف الفوسفين هناك الذي يعرف على الأرض أنه مؤشر على وجود عوامل بيولوجية.
من المؤكد أن الزهرة والأرض والمريخ كانت، قبل بلايين السنين، أكثر شبها ببعضها البعض مما هي عليه الآن؛ بتشكلها على مسافة قريبة من الشمس، ومن الصخور والمعادن نفسها. وإذا أمكن للحياة أن تترسخ هنا، فلربما فعلت ذلك على الكواكب الشقيقة، وربما أمكن لها الاستمرار إلى أن حوّلت كوارث مناخية شاملة وعوامل أخرى كوكب المريخ إلى صحراء متجمدة، والزهرة إلى جحيم.

غائم مع فرصة لوجود حياة
على الرغم من ذلك، فإن وجود حياة على كوكب المريخ الآن هو أمر مثير للجدل (انظر الإطار: ص 32)؛ أما الزهرة؛ فيبدو في بادئ الأمر أن وجود حياة عليها هو أمر بعيد الاحتمال إلى درجة قصوى نظراً لقسوة بيئتها؛ لكن لابد من التحذير: فكوكب الزهرة هو مصيدة حرارية على سطحه فقط. أما على ارتفاع 50 كم؛ فينخفض الضغط الجوي إلى 1 بار، وتكون درجة الحرارة هناك مماثلة لحرارة يوم معتدل على الأرض. فهذه هي المنطقة الصالحة للحياة الخاصة بكوكب الزهرة، وهذا يثير السؤال: هل يمكن لحياة أن تزدهر بين غيومه؟
الزهرة عالم غائم جداً، إلى درجة أن ما يصل من ضوء الشمس إلى سطحها يبلغ %20 فقط. ومع ذلك، فإن غلافها الجوي ليس خالياً تماماً من المعالم. وتكشف الصور بعد تعديل تباينها عن وجود مناطق أو أحزمة داكنة، يمكن رؤيتها بشكل خاص عند الأطوال الموجية فوق البنفسجية. وتسمى هذه المناطق بـ“مناطق الامتصاص غير المعروفة” Unknown absorbers، واكتشفت منذ أكثر من قرن، وهي تنتج من مواد غامضة تحجب معظم الضوء فوق البنفسجي وجزء من الضوء المرئي؛ مما يجعل هذه المناطق معتمة نسبياً. ففي شهر أغسطس 2019 نشر فريق من الباحثين بقيادة يوون جو لي Yeon Joo Lee، في الجامعة التقنية في برلين، تقريراً في الدورية الفلكية The Astronomical Journal، يبحث في كيفية تأثير مناطق الامتصاص هذه في مناخ كوكب الزهرة.
ويوضح لي: “أقتُرِح أن تكون الجسيمات التي تكوّن البقع الداكنة من كلوريد الحديديك Ferric chloride، وتآصلات الكبريت Allotropes of sulphur، وثاني أكسيد ثنائي الكبريت Disulphur dioxide، وما إلى ذلك، لكن أيّاً منها لم يستطع حتى الآن تفسير خصائص تكوينها وامتصاصها تفسيرا مقبولا”.
ما نعرفه، على الأقل، هو أن هذه المواد غير المعروفة يمكن مقارنة حجمهاً بالبكتيريا الماصة للضوء Light Absorbing bacteria الموجودة على الأرض، وتظهر نمط امتصاص مماثل. هذا ما دفع ساغان وموروفيتز، في ستينات القرن العشرين، إلى التكهن بأن هذه البقع الداكنة قد تكون ناتجة من وجود ميكروبات تطفو في سحب الكوكب. وقد اتخذ مؤلفون آخرون موقفاً مشابهاً، ولا سيما ديفيد غرينسبون David Grinspoon، من معهد علوم الكواكب في أريزونا، الذي كرّس فصلاً للموضوع في كتابه الصادر عام 1998 عن كوكب الزهرة، بعنوان الكشف عن كوكب الزهرة Venus Revealed.

زخم جديد
في سبتمبر من هذا العام اكتسب النقاش زخماً جديداً مع اكتشاف البصمة الطيفية للفوسفين في الغلاف الجوي للزهرة. فالفوسفين (PH3) هو جزيء يتكون من ذرة فوسفور واحدة مرتبطة بثلاث ذرات هيدروجين. ويوجد الفوسفين أيضاً في الكواكب الغازية العملاقة الغنية بالهيدروجين اللازم لصنعه، وأيضاً على الأرض. ومع ذلك، ففي عالمنا الأرضي، ومع وجود هيدروجين حرٍّ ضئيل في الغلاف الجوي، فإن معظم الفوسفين تقريباً ينتج بفعل الأنشطة البيولوجية.
وكما هو شأن الميثان Methane، يعدّ اكتشاف الفوسفين مؤشراً محتملاً على وجود حياة، وقد اقترح بعض علماء الفلك البحث عنه في أطياف الغلاف الجوي للكواكب النجمية Exoplanets أثناء عبورها أمام نجومها الأم. هذا ليس من المؤكد تماماً ما إذا كان فوسفين كوكب الزهرة قد نتج بفعل عمليات بيولوجية عليه؛ وما زال على العلماء أن يحددوا العمليات الكيميائية الأخرى التي يمكن أن تصنِّعه هناك. وهذا هو سبب الإثارة الكبيرة حول وجوده هناك. يقدّم الفوسفين، وأيضاً تلك المادة المجهولة الماصّة للأشعة فوق البنفسجية، معاً حالة جيدة لدراسة الموضوع عن كثب.
هنا على الأرض، تنتشر الحياة الميكروبية في كل مكان. إنها تزدهر حول الفتحات البركانية في قاع المحيط، وفي الينابيع الحارة، والصحاري، وفي الجليد والسماء. يمكن لبكتيريا السطح أن تندفع إلى الغلاف الجوي، وتجد طريقها إلى قطرات الماء، وتعيش على ارتفاعات تصل إلى أربعة كيلومترات. وعلى ما يبدو، فإن الحياة قوية بلا شك، فيمكن للحيوانات بطيئة الخطو Tardigrade المتواضعة (أو ما يعرف الدب المائي Water bear) حتى بعد تعرضها لفراغ الفضاء، دون أن يؤثر تعرضها للإشعاع الكوني أو ظروف انعدام الجاذبية أو نقص الهواء فيها. نحن نعلم أن بعض البكتيريا تزدهر في الظروف الحمضية، وتتغذى بثاني أكسيد الكربون لإنتاج حمض الكبريتيك وكلاهما موجود بوفرة في الغلاف الجوي لكوكب الزهرة.
ويبحث علماء الفلك بجد كبير في هذا الأمر لدرجة أن سارة سيغر Sara Seager، عالمة الفيزياء الفلكية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، قد توصلت إلى دورة حياة محتملة لأشكال الحياة السحابية على الكوكب. وهي تقول إن الميكروبات قد تتكاثر في قطرات حمض الكبريتيك داخل المنطقة الصالحة للحياة على ذلك الكوكب، على ارتفاع 50 كم تقريباً.
مع نمو القطيرات، بذات الطريقة التي تنمو بها قطيرات الماء المحمولة في الهواء على الأرض، فهي ستبدأ بالهطول من طبقات السحاب السفلية، مباشرة إلى طبقة الضباب الأكثر سخونة تحتها مباشرة؛ مما يؤدي إلى تبخرها. ومن دون القطيرات المحيطة لحماية الميكروبات التي تحملها، ستدخل الأخيرة في حالة سبات Dormant state تسميها سيغر “الأبواغ” Spores كي تتمكن من البقاء في قيد الحياة في تلك الظروف القاسية. وفي نهاية المطاف، ستعاد هذه الجراثيم إلى المنطقة المعتدلة بفعل الرياح حيث يعاد ترطيبها، وهو ما يؤدي إلى إنهاء مرحلة السبات وإعادة بدء دورتها.

البحث عن الحياة
عادة ما توصف عدة أماكن في المجموعة الشمسية على أنها محتملة لاستضافة حياة ما، إلا أننا لم تكتشف حياة بعد (انظر: الإطار أدناه)؛ ولكن من بين هذه العوالم، يمتاز كوكب الزهرة بسهولة الوصول إليه. وعلى ارتفاع 50 كم، ستكون الموائل الطافية منصة انطلاق مثالية، يمكن البحث فيها عن علامات حياة في السحب. ربما يجب على بحثنا عن أبناء عمومة لنا خارج كوكب الأرض أن يبدأ هناك من بين معظم الكواكب الأخرى.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى