أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
فضاءفلك وعلم الكونيات

نار في سماء المشتري

مع وصول كوكب المشتري إلى نقطة تقابله في الشهر الماضي، يستكشف لنا ويل غيتر أسرار قمره البركاني الغامض، آيو

ويل غيتر Will Gater: صحافي يكتب في مواضيع علم الفلك، ومقدم برامج علمية، يقيم في المملكة المتحدة. تابعه على تويتر: @willgater  أو على الموقع: willgater.com

بوصول كوكب المشتري إلى نقطة تقابله في الشهر الماضي، ستكون لدينا فرصة لمشاهدة الكوكب وأقماره لباقي العام، فقد أمضى الكوكب العملاق قروناً تحت ضوء الدراسات العلمية. وتستمر أقمار المشتري الجليدية يوروبا Europa، وغانيميد Ganymede، وكاليستو Callisto، بجذب اهتمام كبير لأسباب ليس أقلها احتمال جريان الماء السائل تحت قشرتها المتجمدة؛ لكن هناك قمراً آخر للمشتري، كل شيء فيه مهم بقدر أقرانه المغلفة بالجليد: إنه القمر آيو Io.
القمر الثالث من ناحية الحجم بين أقمار المشتري ’الغاليلية‘ الأربعة، آيو، هو جحيم بركاني: عالمٌ تشوبه ألوان صفراء وبنية وحمراء. ومن نواح عديدة نجده نقيضاً للقمر يوروبا وأمثاله. ومع ذلك، فهذا لم يمنع الباحثين من النظر في كل تفاصيل سطحه. ومع التطوير المستمر دوماً لتكنولوجيا الأرصاد الأرضية، ومهمة جونو Juno الحالية في عالم منظومة المشتري، نحصل كل يوم على مشاهدات جديدة عن نشاط هذا القمر المليء بالندوب. بل هناك الآن مطالبات لتخصيص مهمة فضائية لتستكشف هذا القمر الغريب بين الكواكب الخارجية Outer planets.
أحد الباحثين الذين حاولوا مؤخراً إلقاء الضوء على النشاط البركاني العنيف للقمر آيو هي البروفيسورة كاثرين دو كلير Katherine de Kleer، الأستاذة في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا. وتذكر عن هذا القمر أن الألوان المتنوعة لمشهد قرصه المشهور بلطخاته المعروفة هي كلها تقريباً نتيجة شكل ما من النشاط البركاني. وتقول: “تنتج جميع الجزيئات المختلفة التي تحتوي على الكبريت تلك الألوان المختلفة؛ باستثناء المناطق المعتمة ــ تلك الرواسب الرمادية والحمم البركانية المتدفقة ــ التي يحتمل أن تكون من مادة السيليكات”.
تنتشر البراكين التي تشكل السطح المدهش للقمر آيو في جميع أنحائه. فقد استطاع مسبار غاليليو الذي التقط صوراً ما زلنا نعتبرها أفضل الصور القريبة لآيو عندما عبَر قربه بسرعة في أواخر تسعينات القرن العشرين وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أن يلقي نظرة على تدفقات حمم براكينه المتوهجة. وفي غضون ذلك، فقد استطاعت بعثات أخرى، بما في ذلك بعثة نيوهورايزنز New Horizons وتلسكوب هابل، أن تصور نفاثات ضخمة، بشكل قبة، من مادة متفجرة فوق طرف آيو.

البحث عن الحرارة
تنتشر مئات البراكين عبر أنحاء القمر آيو. وهي تبدو بوضوح أحيانا لأن العلماء يستطيعون رصد حرارتها على شكل توهجات من الأشعة تحت الحمراء، وفي أحيان أخرى يمكن الكشف عن براكين أخرى بفضل حوادث تلون السطح الدالة عليها. وتوضح دو كلير: “يمكن افتراض أن تدفق الحمم المعتمة هو حديث العهد لأنه يجب أن يكون دافئاً كي يبقى معتماً. فلو أنها بردت تماماً، فسيتجمد ثاني أكسيد الكبريت ويترسب من الغلاف الغازي فوقها، ولن تكون معتمة بعد ذلك. لذلك، حتى عندما لا نرى انبعاثاً للأشعة تحت الحمراء، يمكن الاستنتاج أن شيئاً ما كان نشطًا في العامين الماضيين”.
تضمن عمل دو كلير مراقبة آيو عبر مراصد أرضية متطورة، مثل تلسكوب مرصد كيك Keck في هاواي. وبرصد القمر باستخدام الأطوال الموجية للأشعة تحت الحمراء، تمكنت دي كلير وزملاؤها من الحصول على رؤية مختلفة تماماً لآيو. وتقول دو كلير: “قرصه ساطع لأن الكبريت المتجمد على سطحه يعكس ضوء الشمس. وفضلاً عن ذلك، يمكن رؤية هذه البقع الصغيرة اللامعة حقاً على سطح آيو. فهذه البقع هي انبعاثات من الأشعة تحت الحمراء من الحرارة الناتجة من هذه المناطق البركانية الفردية النشطة”.
تدور المركبة الفضائية جونو الآن حول المشتري، ويمكنها أيضاً أن تنظر إلى القمر آيو بالأشعة تحت الحمراء؛ وفي صور التقطتها عام 2017، استطاعت أن تكشف علامات تدل على منطقة تتوهج بنشاط بركاني، وهي منطقة لم يبدُ فيها نشاط مشابه من قبل. وهذا المستوى المثير من الفعالية الجيولوجية هو شيء يمكن رؤيته أيضاً في عمليات رصد أرضية بالأشعة تحت الحمراء. وتوضح دو كلير: “بالتقاط هذه الصور بين ليلة وأخرى، يمكنك رؤية البراكين المختلفة [التي] تكون نشطة أو غير نشطة. إنها تطلق كميات مختلفة من الحرارة، ويمكنك أن ترى ذلك من خلال رصد تلسكوبي لعدة ليال متتابعة؛ تستطيع رؤية كيف يتغير المشهد”.

النشاط البركاني
إذا استطعنا الاقتراب من تلك البراكين، فقد تظهر رواسب الكبريت مشابهة لتلك التي تظهر حول المعالم البركانية الأرضية، كما هي الحال في منتزه لاسن البركاني الوطني Lassen Volcanic National Park ويلوستون Yellowstone بالولايات المتحدة، وفقاً لـ دو كلير. وتقول: “يمكنك على الأرجح أن تتخيل شيئاً من هذا القبيل، ولكن مع مضاعفة حجم الفعالية”.
ومن المرجح أن تكون الأشكال الفعلية للبراكين مختلفة جداً عن أشكال القمم المدببة الشاهقة، وذلك بسبب طبيعة المادة التي تتكون منها. وتقول دو كلير: “نعتقد أن الصهارة Magma التي تندفع على آيو تكون عند درجات الحرارة العليا للأشياء التي نراها على الأرض ــ ربما أكثر حرارة”. وتعني درجة الحرارة المرتفعة هذه؛ إضافة إلى محتوى السيليكا المنخفض في الصهارة مقارنة بمثيلاتها الأرضية، أنه عندما تنفجر الحمم البركانية على سطح القمر آيو، يُعتقد أنها ستكون شديدة السيولة على نحو خاص، وقد تتدفق بسرعة لمسافات طويلة.
إذن، ما الذي يسبب النشاط البركاني على آيو بالأساس؟ يُعتقد أنه ينشأ من رقصة الجاذبية Gravitational dance التي يؤديها القمر مع كل من المشتري وقمريه يوروبا وغانيميد. ويُولِّد هذا قوة تشد وتضغط مراراً وتكراراً على القمر آيو بقطره البالغ 3.640 كم.
وتشرح دو كلير: “لديك هذا التشوه السريع لشكل القمر، والذي يحدث في مدة أيام معدودة، وهو ما يولد احتكاكاً في باطنه وينتج حرارة تكفي لصهر الصخور”.
أحد أروع نواتج خليط المواد المنصهرة التي تحدث تحت سطح آيو هي ذلك المعلم البركاني في نصف كرة القمر الشمالي، الذي يعرف بــ لوكي باتيرا Loki Patera. فهذه البحيرة الضخمة من الصهارة يبلغ قطرها نحو 180 كم، وقد كانت محور بحث حديث أجرته دو كلير وزملاؤها.
وباستخدام التلسكوب المزدوج الكبير Large Binocular Telescope‎ (اختصاراً: التلسكوب LBT)، في ولاية أريزونا بالولايات المتحدة، شاهد العلماء حادثة مرور قمر المشتري يوروبا أمام آيو. ففي العادة، يصعب الحصول على مشاهدة دقيقة لبحيرة لوكي باتيرا عند رصدها بالأشعة تحت الحمراء من الأرض، لكن عبور يوروبا أمام آيو سمح للعلماء بمناورة رصد بارعة. فبينما كان يوروبا يحجب البركان الضخم تدريجياً، استطاع الفريق قياس توهج الأشعة تحت الحمراء لأجزاء صغيرة نسبياً منه ــ ولما كان باستطاعتهم تحديد أي جزء منه كان مرئيا بدقة، ومن ثم متوهجة في وقت معين. وسمح هذا، إضافة إلى قوة بصريات التلسكوب LBT التي تعمل وكأنها مرآة واحدة بقطر 23 متراً ، لدو كلير وزملائها الباحثين بأداء شيء يشبه «عملية مسح» لبصمة الأشعة تحت الحمراء لبحيرة لوكي باتيرا (انظر: مجموعة الصور الست، في الأعلى).
و«خريطة» الأشعة تحت الحمراء التي تمكن الفريق من إنتاجها هي جزء من جهد أشمل لمحاولة اكتشاف طبيعة
ما تسميه دو كلير «منظومة الصرف الصحي» Plumbing system التي تصل أعماق آيو بسطحه. وتقول: “إن شكل منظومة الصرف الصحي هذه ما زال غير معروف إلى حد بعيد. ولقول أي شيء عما هي عليه، يجب عليك أن تحصل فعلاً على ميز مكاني Spatial resolution (دقيقة البكسلات) جيد جدا لبركان واحد”.
بينما يواصل الباحثون مراقبتهم للقمر آيو من الأرض وفي الفضاء، هناك من يضغط أيضاً لإرسال مهمة خاصة، يشار إليها في المقترحات الأولية الحالية بمهمة مراقب براكين آيو Io Volcano Observer (اختصاراً: المهمة IVO)، باتجاه المشتري لاستكشاف القمر (آيو) بدقة أكثر بكثير.
وتشرح دو كلير قائلةً: “ستكون المهمة قادرة على الحصول على نوع مختلف تماماً من المعلومات، وستكون متممة لما لدينا. وعندما تكون هناك في عالم منظومة المشتري، يمكنك قياس قوة مجال الجاذبية والمجال المغناطيسي، وهذين سيعلمانك عن باطن جرم ما بطريقة لا يستطيع فعلها أي شيء آخر”.
وبينما ينتظر علماء الكواكب لمعرفة ما إذا كانوا سيحصلون على بعثتهم هذه، هناك أمران واضحان: براكين أيو لا تظهر أي علامة تدل على الاستقرار؛ ومثلما قدر لسطحه أن يستمر بالتغير، فكذلك أيضاً فهمنا لهذا العالم الغامض البعيد.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى