فضاءفلك وعلم الكونيات

استعد لمراقبة الكوكب الأحمر

ربما تفتقد كوكب الزهرة البرّاق الآن، لكن موعد أحد أفضل مشاهد كوكب المريخ يقترب. يستبق بيتر لورانس هنا موعد تقابله اللافت في شهر أكتوبر المقبل

بيت لورانس Pete Lawrence: هو عالم فلك متمرس ويشارك في تقديم حلقات The Sky at Night

ساد كوكب الزهرة الساطع في مشهد شفق مساء سماء الليل في النصف الأول من العام 2020. ومع وجوده الآن في سماء الفجر، فقد احتل المشتري وزحل مشهد سماء المساء على ارتفاع منخفض باتجاه الجنوب. وفي وقت لاحق من هذا العام، هناك حدث كوكبي كبير يجب ترقبه، إذ سيبدو الكوكب الأحمر مرتفعاً وساطعاً في سماء المساء. في الواقع، سنرى في هذا الخريف أفضل حادثة تقابل Opposition للمريخ لسنوات عديدة مقبلة.
يقال عن كوكب ما أنه في حالة تقابل عندما توجد الأرض بشكل مباشر بينه والشمس. مع وصول الكوكب إلى الطرف المقابل للشمس في السماء، يكون في أقرب موقع له من الأرض بالنسبة إلى ‘ظهوره’ الحالي، أو فترة رؤيته. وهذا وقت مناسب لرصده، لأنه سيظهر أكبر من حجمه المعتاد في أوقات أخرى. وتعتبر حادثة تقابل المريخ أمراً مهمًا لرصد المريخ، لأنه في معظم أوقاته الأخرى يكون بعيداً جداً عن الأرض، فيبدو خافتاً للعين المجردة وصغيراً عندما يرصد بتلسكوب. ولكن مع تقلص المسافة بين كوكبينا، يسطع المريخ سطوعا شديدا، ويزداد حجمه في عينية التلسكوب إلى درجة تكفي لرؤية تفاصيل سطحه بسهولة.
تحدث تقابلات المريخ بمعدل مرة كل سنتين وشهرين، (أو، بشكل دقيق، كل 779.94 يوماً)، وسيحدث تقابل هذا العام بتاريخ 13 أكتوبر. ومع تقدم الوقت نحو هذا التاريخ، سيظهر المريخ زيادة تدريجية ولكن مثيرة في سطوعه، ليتفوق على سطوع المشتري بتاريخ 24 سبتمبر ويصير ثاني أسطع كوكب بعد الزهرة، وسيبقى ساطعاً لمدة أسابيع تالية، حتى نوفمبر. وبالفعل، فإن منتصف نوفمبر ربما يكون هو الوقت المناسب لرصد المريخ إذا كانت لديك أسرة فتية أو هواية ناشئة: وحتى مع عدم كون المريخ ساطعاً كما في وقت تقابله، إلا أنه سيصل إلى أعلى نقطة له في السماء في بداية المساء، وهو وقت مناسب لكثير من الراصدين. وبالنسبة إلى العين المجردة، يصير لون المريخ الوردي ‘السلموني’ أخاذاً عند وقت سطوعه؛ وستكون هذه علامة لا خطأ فيها أنك تنظر حينها إلى الكوكب الأحمر.

أزواج ساطعة
وتماماً كما حدث مع الزهرة في وقت سابق من هذا العام، سيكون هناك بعض الاقترانات Conjunctions الرائعة بين المريخ والقمر لتمتع عينيك بها. وبتاريخ 9 أغسطس، في الساعة 21:00 بتوقيت الجزيرة العربية AST، سنرى المريخ على مسافة 3° باتجاه شمال شرق القمر الأحدب المتناقصWaning gibbous Moon. وسيكون هذا اقتراناً مثيراً لأنه سيستمر بين الجسمين بعد شروق الشمس.
وفي تاريخ 5 سبتمبر، سيظهر المريخ (سطوع 1.9- .mag) على مسافة قريبة من القمر الأحدب المتناقص في الساعة
08:30 AST، وسيكون زوجاً لطيفاً للعين المجردة. واظب على رصدك لهما لتراهما على مسافة قريبة قبل شروق الشمس، وستكون بحاجة إلى منظار مزدوج لرؤية أدنى اقتراب لأنه يحدث عندما ترتفع الشمس. وهناك فرصة أخرى في تاريخ 2 أكتوبر، عندما يرى المريخ (سطوع – 2.5 (mag. على مسافة قريبة من القمر المكتمل بعد الساعة 18:30، وسيكون هذا آخر اقتران قريب المسافة بين المريخ والقمر لعام 2020.
وعلى الرغم من أنه جيد لمشاهدة الاقتران، إلا أن المنظار المزدوج لن يكشف من تفاصيل المريخ أكثر مما تراه بعينيك، وسيظهر لك بصورة قرص وردي سلموني اللون ساطع وصغير أمام خلفية من حقل من النجوم. ولرؤية معالم على سطح الكوكب الأحمر، ستكون بحاجة إلى تلسكوب بعدسة أمامية قطرها 75 مم على الأقل.
وباستخدام التلسكوب، ستبدو التغييرات في مظهر المريخ في الفترة السابقة للتقابل واضحة جداً. في تاريخ 1 يوليو سيبدو بقطر 11 ثانية قوسية، ويزداد إلى 15 ثانية قوسية تقريباً في بداية أغسطس. وفي بداية سبتمبر سيظهر بقطر
19 ثانية قوسية، وفي تاريخ 25 سبتمبرسيكون حجمه الظاهري قد تضاعف عما كان عليه بتاريخ 1 يوليو ليبدو بقطر 22 ثانية قوسية. ويحافظ على هذا الحجم حتى منتصف أكتوبر، لينخفض إلى 20 ثانية قوسية بحلول 1 نوفمبر.
يحدث أكبر حجم ظاهري للكوكب عندما يكون على أقرب مسافة له من الأرض، ويحدث هذا عادةً بعد عدة أيام من تاريخ التقابل. وفي عام 2020 سيصل المريخ إلى أقرب مسافة له من الأرض بتاريخ 6 أكتوبر، ويبدو بقطر 22.6 ثانية قوسية، قبل أسبوع من موعد تقابله بتاريخ 13 أكتوبر.

في الكوكب الوردي
من خلال تلسكوبٍ يمكن للمريخ أن يكون بطيئاً في كشف تفاصيله في البداية. ومعالم السطح ظاهرة، ولكن قد تجد صعوبة في رؤيتها، خاصة إذا كنت مستجدا في رصد الكوكب الأحمر. فليس من غير العادي أن ترى نقطة وردية اللون وضبابية في بداية الأمر، ولكن امنح نفسك وقتاً لتثبيت المشهد، وسترى المزيد بالتدريج.
ابدأ باستخدام نسبة تكبير منخفضة، لنقل 25X من حجم فتحة تلسكوبك بالبوصة. أما عند قياس 4 بوصات (25 مم)، فإن هذا يعني البدء من 100X تقريباً. حاول أن تزيد التكبير إذا كان المشهد ثابتاً. وكقاعدة عامة، فإن الحد الأقصى للتكبير لأي حجم من التلسكوبات هو 50X من حجم فتحته بالبوصة، لكن الظروف الجوية نادراً ما تجعل هذا ممكناً: فالتكبير القوي في ظروف غير مستقرة سيقلل من جودة الرؤية ببساطة.
مع كل عملية تكبير، امنح عينك وقتاً لتعتاد على المشهد. لاحظ حافة الكوكب أولاً. في الفترة التي تسبق التقابل وتليه، يبدو المريخ بصورة قرص أحدب، أكثر من نصف وأقل من مكتمل. ففي يوليو، وعلى الرغم من أن نصف الكوكب سيظهر بنصف حجمه في أكتوبر، يجب أن يكون الغطاء القطبي الجنوبي واضحاً (انظر: مشاهدات المريخ). وخلال تقابل عام 2020 يكون نصف كرة المريخ الجنوبية وغطاءه القطبي مائلا باتجاهنا. في تاريخ 3 أغسطس، يقترب المريخ إلى أدنى مسافة له من الشمس في مداره حولها، وهي نقطة تسمى الحضيض Perihelion. ومع اقترابه من نقطة الحضيض، ستؤدي الحرارة الإضافية التي يتلقاها إلى تقلص الغطاء القطبي الجنوبي.

جميع المعالم، كبيرها وصغيرها
عندما يصير حجم المريخ أكبر ظاهرياً، يجب أن تسهل رؤية تفاصيل سطحه. وإضافة إلى الغطاء القطبي الجنوبي الساطع، يقدم لنا الكوكب مناطق من الضوء والعتمة، تمثل صحاريه وصخوره المكشوفة. وتُعرف هذه العناصر بمعالم الوضائية (الألبيدو) Albedo features: وهي مناطق تظهر ساطعة أو معتمة بسبب كمية الضوء التي تعكسها (انظر الخريطة، صفحة 34). كلما زاد حجم وإعتام أحد معالم البياض، كانت رؤيته أسهل بتلسكوب صغير.
أبرز المعالم المعتمة هو ذلك المعلم المعروف بـ سيرتس ميجر Syrtis Major‎، الذي يأخذ شكل الحرف V، وهو بركان درعي منخفض المستوى Low-level shield volcano. وعندما يدور ليظهر في المشهد، يشير ’رأس‘ معلم سيرتس ميجر باتجاه الشمال، ليظهر أنه يمتد بعيدا جدا نحو الحافة الشمالية للمريخ في تقابل العام 2020. وفي المنطقة الواقعة بين الحدود الجنوبية لمعلم سيرتس ميجر وغطاء القطب الجنوبي يقع حوض
هيلاس Hellas Basin. وهذا الحوض الذي يبلغ قطره 2,300 كم هو واحد من أكبر فوهات الاصطدامات النيزكية في المجموعة الشمسية.
وقد يظهر حوض هيلاس في بعض الأحيان ساطعاً بسبب السحب التي تتكون في الحوض. وعلى الرغم من أن للمريخ غلافا غازيا رقيقا جداً، إلا أنه غير كافٍ لوجود طقس وتشكل سحب ضبابية. وتتكون السحب الجبلية الساطعة عندما يرتفع الغلاف الجوي المريخي إلى ارتفاع أعلى ويمكن ملاحظتها خاصة فوق قمم البراكين الشاسعة التي تقع على سهل ثارسيس Tharsis المريخي. ومع اقتراب الكوكب الأحمر من نقطة حضيضه بتاريخ 3 أغسطس، يجدر الانتباه أيضاً إلى عواصفه الترابية. وتؤدي الطاقة الزائدة التي تمنحها حرارة الشمس إلى إثارة هذه العواصف التي تظل في بعض الأحيان محصورة في مناطق السطح، ولكن يمكنها أيضاً أن تشتد إلى درجة تحجب الكوكب.
وإذا كنت تراقب المريخ من ليلة إلى أخرى، فكن على دراية بأن مدة دورته المحورية أطول بنحو 40 دقيقة من دورة الأرض، إذ تبلغ 24 ساعة و39 دقيقة و35 ثانية. ويعني هذا أن المعالم تتمركز على قرص المريخ بعد 40 دقيقة في كل ليلة تالية. تخيل النظر إلى كوكب المريخ ذات ليلة ورؤية معلَم مظلم في وسط قرصه (يُعرف بخط الزوال المركزي Central meridian للمريخ). وفي الوقت ذاته تماماً من الليلة التالية، سيظهر هذا المعلم أبعد قليلاً إلى الشرق، وسيأخذ 40 دقيقة إضافية ليصل إلى خط الزوال المركزي مرة أخرى. ففي الليلة التالية، وفي الوقت ذاته، سيحتاج هذا المعلم إلى مدة 80 دقيقة ليصل إلى خط الزوال (أو الطول) المركزي. ويبدو كما لو أن المريخ يعيد ضبط موضعه في كل ليلة تالية، ما يعطيك لمحة عن السطح الجديد الإضافي على طول طرفه الغربي قبل أن يعيد عرض ما رأيته في الليالي الماضية. في نهاية المطاف، ستتمكن من رؤية الكوكب كله، ولكن عملية ’إعادة الضبط والعرض‘ هذه يمكن أن تجذب المراقبين.

ألوان حقيقية
ينحرف الضوء القادم من المريخ غالباً نحو الطرف الأكثر احمراراً من الطيف، وهذا يعمل لصالحنا لأن الموجات الضوئية الأطول هي أقل عرضة للتشوش بفعل اضطرابات الغلاف الغازي. ويمكنك تحسين ما تراه بصرياً بالتلسكوب باستخدام الفلاتر (المرشحات). وتعرّف الفلاتر البصرية عادةً بأرقام راتن Wratten خاصة بها. ربما تكون هذه الأرقام مكتوبة بشكل حرف W متبوعاً برقم وربما بحرف. على الرغم من أن الأرقام تمثل ألواناً معينة، إلا أنه لا يوجد تسلسل لها؛ فعلى سبيل المثال: الرقم W16 هو أصفر برتقالي، و W18B هو بنفسجي غامق جداً وW21 هو برتقالي. فالأحرف التي ترى في بعض الأحيان بعد الرقم تعني زيادة قوة الفلتر.
وتميل الفلاتر الصفراء (W12 ، W15) إلى جعل المناطق الصحراوية الأفتح لوناً أكثر سطوعاً، والمناطق البنية/الزرقاء أغمق. ويساعد اللون البرتقالي (W21 و W23A) أيضاً على زيادة التباين بين الصحارى الفاتحة والصخور المكشوفة الداكنة، مما يزيد من وضوحه عبر ضباب غلاف المريخ الغازي الضعيف. فيما تعزز الفلاتر الحمراء (W25 ، W29) من التباين مرة أخرى، وهي ممتازة لإبراز الحدود بين المناطق. الفلاتر البرتقالية والحمراء هي أيضاً جيدة للاستخدام لرصد العواصف الترابية المريخية، عندما تحدث.
أما الفلتر الأخضر (W57)، أو الأزرق ــ الأخضر (W64)؛ فهما جيدان لعرض المعالم الموسمية، مثل بقع الصقيع والضباب والمناطق العشوائية على امتداد حافة القبعات القطبية. فالأزرق (W80A، W38، W38A)، والأزرق الداكن (W47، W46)، والأرجواني (W32، W30) كلها فلاتر لونية جيدة للكشف عن طقس المريخ من غيوم بيضاء أو ضباب في الأطراف؛ والفلتر الأرجواني تحديداً هو جيد لرؤية تفاصيل مناطق المريخ القطبية.
ففي آخر حادثة تقابل مريخية في عام 2018 حصلنا على رؤية له بحجم ظاهري Apparent size كبير، وكانت أفضل لبعض الوقت، وأكبر حجماً في الواقع من حجمه لهذا العام. ولكن هذا العام، سيصل الكوكب الأحمر إلى ارتفاع أعلى بكثير في سماء الليل، يبلغ °40 على الأقل، في كوكبة الحوت Pisces. ومع حجم ظاهري أقصى له يصغر بقدر ضئيل فقط عن الذي شوهد في عام 2018، فإن هذا يجعل عام 2020 هو عام التعرف على هذا الكوكب الرائع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى