فضاء

آلكسي ليونوف: أول من سار في الفضاء

قبل 55 عاماً كانت عملية السير الفضائي الأولى في التاريخ أبعد ما تكون عن السهولة، كما تشرح لنا نيشا بيرجيراز-هويل

في الساعة 8:34 بالتوقيت العالمي من يوم 18 مارس عام 1965 حدق المشاهدون في أوروبا وروسيا في شاشات التلفزيون بدهشة متابعين رائد الفضاء آلكسي ليونوف Alexei Leonov، ذا الثلاثين عاماً، وهو يخرج من مركبته الفضائية فوسخود-2 (Voskhod-2) التي كانت تدور عالياً حول الأرض، ليكون أول إنسان في التاريخ ينفذ عملية سير فضائي Spacewalk.
وبالنسبة إلى العالم، فإن مدة الـ 12 دقيقة و تسع ثوان التي أمضاها وهو يسبح خارج الكبسولة الفضائية، منتصباً وملوحاً بيده، أمام كاميرا وثقت اللحظة لجميع الأجيال اللاحقة، ومشدوداً من وسطه طوال الوقت بحبل طوله 5 أمتار، قد عنت أن السوفييت كانوا، مرة أخرى، أكثر تقدماً في سباق الفضاء من الولايات المتحدة الأمريكية. لكن القصة لم تكن بتلك السهولة. ففي غضون عقود قليلة عرفنا تفاصيل حقيقة هذه الدراما الفضائية التي جسدت تحدياً للموت.
حصلت أولى المشكلات أثناء اختبارات ما قبل الإطلاق، عندما دمرت مركبة كوزموس 57 (Kosmos 57)، وهي مركبة فضائية أولية غير مأهولة أرسلت إلى الفضاء لتجربة بزة فضائية سوفييتية وأنظمة ضغط جديدة، نفسها تدميرا ذاتيا في المدار. ومع ذلك، وبعد ثلاثة أسابيع فقط من هذه الحادثة أُطلقت مركبة فوسخود-2 من قاعدة بايكونور Baikonur وعلى متنها ليونوف وقائد البعثة الطيار بافل بيلياييف Pavel Belyayev.
فور إتمام مركبة فوسخود-2 أول دورة لها حول الأرض، ارتدى ليونوف حقيبته الظهرية الداعمة للحياة، بينما أخرج بيلياييف حجرة الضغط فولغا Volga التي هي بنية قابلة للنفخ بطول 2.5م صممت واختبرت لمدة 9 أشهر. وبعد عدة اختبارات أخيرة صعد ليونوف عبر كوة حجرة الضغط وأغلق الباب. وبعد الخروج من الفوهة الثانية، أدار كاميرا التصوير وانطلق مشدوداً بحبل ليسبح في الفضاء.
ابتهج ليونوف متعجباً لمشهد ‘خريطة الأرض الملونة العملاقة’ أسفل منه. بعد عشر دقائق، طلب منه بيلياييف العودة، وهو يلاحظ اقتراب المركبة من الجانب المظلم للأرض. لكن بزة ليونوف الفضائية كانت قد توسعت بسبب انخفاض الضغط الجوي، وأخذت يداه وقدماه تتخبطان بداخلها. ولأنه لم يعد قادراً على الإمساك بالحبل أو المرور الآمن عبر الكوة، فقد لجأ إلى فتح أحد صمامات البزة الفضائية، وخفض الضغط معرضاً نفسه لخطر انعدام الأكسجين والاختناق. وقطع مركز القيادة والتحكم البث التلفزيوني المباشر عندما إدرك خطورة الموقف.
عاد ليونوف ليدخل إلى حجرة الضغط برأسه أولاً، وهو يتعرق بغزارة، ويكافح أعراض حالة انخفاض الضغط. ولكن باب حجرة الضغط كان مصمماً بحيث يدخل الرائد فيه بقدميه أولاً ليتسنى له إغلاقه بيده. ومع استنزاف قوته بسبب بزته الضخمة، فقد كان على ليونوف الآن أن يستدير بجسده داخل الأنبوب الضيق لإغلاق الكوة.
وأخيراً، عاد إلى الكبسولة. ولكن الاستراحة كانت قصيرة فقط. ولسوء حظ رائدي الفضاء ورعبهما، لم تكن كوة وحدة الهبوط محكمة الإغلاق. فتسبب تسرب بطيء للهواء بإطلاق المنظومات الأوتوماتيكية مزيداً من الأكسجين في الكبسولة الفضائية. فكان ممكناً حينها لشرارة واحدة أن تحدث انفجاراً قاتلاً فيها.

عودة مضطربة إلى الأرض
في الصباح التالي تعطل نظام القيادة الآلي الذي أعد المركبة لعملية الدخول في غلاف الأرض الجوي. فكان على الرائدين أن يقوما بذلك يدويا، ويعيدا توجيه المركبة ويشعلا محركاتها الصاروخية الخلفية في أول محاولة.
أمسك ليونوف بيلياييف بثبات عندما مال عبر المقاعد ليفحص استقامة خط دخول المركبة للنظر من خلال النافذة الموضوعة في موضع سيئ. وزحف الرائدان بصعوبة للعودة إلى مقعديهما لإعادة المركبة إلى حالة توازنها وضبط عملية الدخول والعودة. لكن التأخر الذي حصل بين الخطوتين أدى بهما إلى الهبوط في مكان يبعد مئات الكيلومترات عن موقع الهبوط المحدد.
مع بدء فوسخود-2 بدخولها غلاف الأرض الجوي، أخذت تتقلب. ولم تنفصل وحدة الهبوط عن وحدة المعدات. ونتيجة لذلك؛ فقد تعرض ليونوف وبيلياييف لضغط جاذبية شديد. وعلى ارتفاع 100 كم، انفصلت الوحدتان، لتحط أخيراً مركبة الهبوط.
وجد الرائدان أنفسهما في غابة سيبيرية، وطن الدببة والذئاب. قفزا خارج الوحدة بين أكوام الثلج. ويستعيد ليونوف ذكرياته: «بعد الكثير من الحوادث الطارئة، شعرت بقيمة ومعنى التقاط أنفاسك على الأرض، إنه شعور لا يمكن وصفه».
بعد الهبوط بـأربع ساعات، تمكنت طائرة مروحية مدنية من تحديد مكانهما. وحاولت عدة طائرات إنقاذهما، ولكن دون نجاح. وألقيت إليهما بعض المواد التموينية: ملابس وغذاء، لكن معظمها كان يسقط على أعالي الأشجار. ومع هبوط الليل انخفضت الحرارة إلى ــ°5س. وفي اليوم التالي وصل فريق إنقاذ على الزلاجات ومعه مؤن، ونصب كوخاً وأشعل ناراً. وبعد ليلة ثانية، قطع الرائدان والمجموعة مسافة 9 كم تزلجاً عبر المنطقة وصولاً إلى طائرة مروحية أعادتهم أخيراً إلى قاعدة بايكونور.
بعد أربع سنوات من الرحلة، مات بيلياييف بعمر 44 بسبب مرض التهابي. وتابع ليونوف مسيرته ليصير كبير رواد الفضاء، ثم نائب مدير مركز تدريب رواد الفضاء إلى حين تقاعده في عام 1992. وتوفي ليونوف في شهر أكتوبر من عام 2019. ومثلت قصتهما واحدة من أخطر الرحلات الفضائية التي جوبهت بشجاعة وتصميم. والآن، في هذه الأيام، ربما تبدو لنا عمليات السير الفضائي التي تستغرق ست ساعات حول المحطة الفضائية الدولية أمراً عادياً. لكنه كان ليونوف الذي خطا تلك الخطوة الأولى التي لا تصدق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق